الشنقيطي
375
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
« حمل » وعلى الثانية نائب فاعل « حمل » بالتضعيف . والأوزار في قوله أَوْزاراً قال بعض العلماء : معناها الأثقال . وقال بعض العلماء : معناها الآثام . ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم . ووجه الثاني أنها آثام وتبعات ؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب ، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي ، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم . والتعليل الأخير أقوى . وقوله : مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ المراد بالزينة الحلي ، كما يوضحه قوله تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقَذَفْناها [ الأعراف : 148 ] أي ألقياناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة ، وأمرنا أن نطرح الحلي فيها . وأظهر الأقوال عندي في ذلك : هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة ؛ لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي اللّه موسى فيه رأيه . والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها . وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس ، أخذ السامري ترابا مسه حافر تلك الفرس ، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات ، فتفرس أن اللّه جعل فيها خاصية الحياة ، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها ، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها ، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة ، وقال له : كن عجلا جسدا له خوار ؛ فجعله اللّه عجلا جسدا له خوار ؛ فقال لهم : هذا العجل هو إلهكم وإله موسى ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى : قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) [ طه : 95 - 96 ] . وقوله في هذه الآية : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد ، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم ، ولا يبعد معه احتمال أنه من غيرهم ؛ لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعينا غير محتمل . ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَنَسِيَ ( 88 ) أي نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر ؛ قاله ابن عباس في حديث الفتون . وهو قول مجاهد . وعن ابن عباس أيضا من طريق عكرمة فَنَسِيَ أي نسي أن يذكركم به . وعن ابن عباس أيضا فَنَسِيَ أي السامري ما كان عليه من الإسلام ، وصار كافرا بادعاء ألوهية العجل وعبادته . قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) [ 89 ] . بين اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل ، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله ، ولا يملك نفعا لمن عبده ، ولا ضرا لمن